وهبة الزحيلي

112

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أخبر تعالى أنه لا يموت أحد إلا بقدر اللّه ، وحتى يستوفي المدة التي حددها اللّه له ، ولذا قال : كِتاباً مُؤَجَّلًا أي أثبته اللّه مقرونا بأجل معين ، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر ، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأهوال الحرب حيّا ، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه . وهذا مثل قوله تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر 35 / 11 ] ، وقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ قَضى أَجَلًا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [ الأنعام 6 / 2 ] ، وقوله : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ النحل 16 / 61 ] . فالأعمار محدودة ، والآجال محتومة ، والأقدار هي الحاكمة ، واللّه وحده هو المتصرف في كل شيء ، فيأذن بقبض كل نفس على وفق علمه دون تأخير ولا تقديم ، سواء في الحرب أو في السلم . وفي هذه الآية تشجيع للجبناء ، وترغيب لهم في القتال ، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه ، فكيف يسوغ الجبن والضعف ما دام العمر بيد اللّه ، وانقضاؤه بمشيئة اللّه ؟ ثم بيّن اللّه تعالى غاية البشر : وهي إما إرادة الدّنيا ، وإما إرادة الآخرة . فمن قصد بعمله التوصل للدّنيا فقط ، ناله منها ما قدره اللّه له ، ولم يكن له في الآخرة من نصيب ، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه اللّه من ثوابها وما قسم له من الدّنيا ، كما قال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى 42 / 20 ] ، وقال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء 17 / 18 - 19 ] ، وآخر هذه الآية يطابق ما هاهنا : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أي سنعطيهم من